الخميس، 12 سبتمبر، 2013

قصة - مشاهد صباحية 2


هاهو وصل إلى شارع مجلس المدينة أمام بيت الشباب فيتسائل بينه وبين نفسه كم بلغت المسافة التى قطعتها فقد مر على سيرى ساعة تقريبا فيجيب على نفسه تقريبا خمسة كيلومتر تقريبا فشارع البنوك يبلغ طوله مايزيد عن كيلومتر بقليل وشارع قمر سينا موازى له وفى طوله تقريبا والمسافة الفاصلة بين الشارعين تزيد عن الكيلومترين فيقول لنفسه سوف أقيسها بالسيارة لأتأكد لكن لماذا تريد أن تعرف المسافة؟ لكى أحاول أن أسرع معدل سيرى وأزيد المسافة بعد فترة فالتحدى الشخص لنفسه جميل ...هكذا هو دائما يسأل ويجيب على نفسه!

 
يعدى الطريق إلى جوار مبنى المخابرات العامة فيتذكر ذلك اليوم الذى ذهب فيه إلى ذلك المبنى بخصوص طلب خاص بالعمل فطلبوا منه التوجه للمخابرات الحربية وظل يبحث عن ذلك المقر إلى أن عرف مكانه وأكتشف أنه كثيراً ما مر على ذلك المبنى لكنه كان يظن انه فيلا تخص مسئول ما فتزداد غبتسامته عندما يتذكر تصرف الضابط الذى قابله حيث كان يشبه تقريبا ما شاهده فى مسلسل رأفت الهجان من طريقة حديث وكيفية إمساكه بالسيجارة واستخدامه للولاعة حتى كاد أن يضحك أمامه من فرط التشابه وفى النهاية اتضح أن الأمر لايعينهم وقال الضابط ربما هذا الأمر يكون لدى أمن الدولة فخرج شاكراً الضابط على وقته ومقرراً عدم الذهاب لهذا الجهاز السيئ السمعة متمتماً منك لله ياعم صبحى! 

 
 عم صبحى كان عسكرى فى القوات البحرية وعندما خرج من الخدمة عمل مع قائده السابق فى شركته التى تنهى لنا إجراءات الإفراج الجمركى على شحنات الكتب القادمة من بريستول بإنجلترا ولأنه قادماً من إسكندرية بإحدى شحناتنا هاتفنى كى أحصل له على تصريح مرور ورغم إندهاشى وعدم تصديقى لهذا الطلب لأنها المرة الأولى التى يحدث فيها ذلك لكن على اية حال سرت ورائه فهو يحظى بالثقة لدينا ولدى الشركة التى يعمل بها وعلى مدار أعوام يحضر لنا تلك الشحنات.

صورة أرشيفية لكمين الشرطة بمطلع الهضبة
 


يشاهد كمين شرطة آخر بجوار مجلس المدينة ومسجد الشهداء بمنزل الهضبة وقد فرغ إلا من سيارة شرطة بها سائقها وباقى القوة نيام داخل المسجد فيتعجب من تلك الكمائن التى على رأى مديره الإيطالى لاتفعل سوى تذكيرنا بزحام المرور لتكديسهم للسيارات عندما يرغبون فى الإيحاء بالعمل وينتشر خبر عمل الكمين بين سائقى التاكسى وسائقى الشركات فيتصلون بزملائهم لإخبارهم كى لا يتفاجئوا بذلك! ورغم هذا العجب إلا انه يشفق على من فى تلك الكمائن خاصة وقت الظهيرة وفى الشتاء ويقول لنفسه لو قاموا بإستخدام التكنولوجيا الحديثة من كاميرات لما اصبحوا فى حاجة إلى نشر هذه الكمائن التى توحى بالقبضة الحديدية لكنها إدارة عقول من القرن الماضى ولا أحد يرغب فى التجديد فللروتين مزاياه!


خلف الأشجار مسجد الصحابة تحت الإنشاء بمنطقة السوق التجارى
 
يشاهد علم مصر فى حالة جديدة علق على سارية علم مهداة من شركة بيجاز للسياحة ويذكر نفسه برغبته فى إلتقاط صورة لهذا العلم عندما ينتهى تشييد مسجد الصحابة بالسوق التجارى كى تصبح الصورة رائعة علم مصر ومسجد وخلفية من الجبال وكم سيكون جميل إذا كانت السماء صافية!



صورة أرشيفية للشاليهات والسوق التجارى فى الثمانينات

 
يصل إلى منزله فى تلك العمارة التى شيدتها إسرائيل إبان إحتلالها لشرم الشيخ ومعها عمارات أخرى وشيلاهات كنت مغطاة بتكييف مركزى لازالت محطة قائمة حتى الآن إلا أنها قد عطلت وأهملت وسرق بعض محتوياتها وهو يصعد السلم يشاهد مواسير الغاز الذى وصل أخيراً للمنازل لكنه يخترق المنزل بطوله ويقارن ذلك بطريقة الإسرائيلين فى إدخال الغاز لنفس العمارة والتى لازالت بعض الوصلات قائمة إلا أن شركة الغاز لم تعرف كيف تستخدم نفس المسار الموجود بالمنور نظراً لكثرة مواتير رفع المياه للخزانات التى على الأسطح والتى لم تكن موجودة أيام الإسرائيلين يفبتسم بسخرية عندما يتذكر كيف تفتق ذهن المحافظ فى إطالة أسوار تلك العمارات بحجة أن شارون علق فى إحدى زياراته لمبارك على بقاء العمارات على نفس الحال كأن بهذه الإطالة أحدث فارقاً ! وليحمد الله أن تعليق شارون كان من خلال نافذة الطائرة ولم يعاين العمارات على الطبيعة! فالإهمال وصل مداه لتلك العمارات نتيجة الخزانات التى على الأسطح وكذلك البلاعات فى المنطقة المحيطة قد تكسرت اغطيتها وإهمال لنظافة المنطقة اللهم إلا من مجهودات فردية من قلة قليلة فى نطاق تواجدهم لمنع تراكم جبال القمامة!


صورة أرشيفية  من الثمانينات للعمارات المشيدة أثناء فترة الإحتلال الإسرائيلى
 
يقف الآن تحت مياه الدش لتنزل السكينة عليه من الأفكار والأحاديث الداخلية ويخرج ليرتدى ملابس العمل بعدها يجلس ليفطر مع والديه بيض مسلوق وجبن أبيض عليه قليل من الطحينة وزيت الزيتون مضربون فى بعضهم مشكلة خليط لا تشبع منه إلى جوارهم طبق من العسل النحل الذى يعلق على طعمه بأنه يستنشق عبير الزهور عند تذوقه فيسأل والده المهندس الزراعى هل هذا العسل طبيعى؟

فيجيبه نعم هكذا كتب على العبوة وبداخل العبوة شمع العسل
فتتدخل والدته بأن هذه تسمى قطفة الزهور
فيرد والده وهل هناك زهور الآن؟
فتجيب الأم هناك زهور البرتقال
فينزل إلى عمله تاركا إياهم فى نقار ساخر معتاد وهو مبتسم قائلا لا فائدة فى هذين الزوجين! لكن لولا هذا النقار ففى ماذا سيتحدثان؟!


صورة أرشيفية لمركز الشباب على يمين الصورة
وكل المبانى المقابلة بمافيها الطريق المزدوج لم يكن موجوداً

يسير بجوار مركز الشباب المشيد أيضا منذ الإحتلال الإسرائيلى ولكن اضيف عليه سور وملعب خماسى من البلاط فيتذكر أنه كان قد قتل عقرباً أصفر اللون فى صغره بهذا المركز عندما كانت الهضبة خاوية ولم يزحف فيها العمران بعد ويصل إلى عمله بعد سير خمسة عشر دقيقة على الأقدام يشغل أجهزة الكمبيوتر وينتشر على ثلاثة مكاتب فهو لوحده بالعمل صباحاً فهناك زميل فى إجازة والمدير قال أنه سيأتى متأخراً
 

كان يريد أن يسرع فى كتابة تفاصيل مشاهده الصباحية قبل أن تختفى لكن بعض العملاء لم يعطونه فرصة فهاهو عميل يدخل فى عقبه ليشترى بعض المواد التعليمية للغوص وهناك عدد من رسائل البريد الإليكترونى وكذلك أوراق العمل من فواتير شراء وفواتير بيع فقرر تنحية كل شئ جانباوجلس أمام مدونته محاولا تذكر تلك المشاهد على أصوات موقع ساوند كلاود فيأتى مديره مبكراً ويشاهده وهو يكتب فيطلب شيئاً خاصا بالعمل فيتوقف عن الكتابة لينهى ذلك الطلب والمدير واقف بجواره وشاشة الكمبيوتر تعلن عن المدونة وفيس بوك وساوند كلاود لكن المدير لا يعلق فهو يطبق مبدأ آدم سميث "دعه يعمل دعه يمر" لكن فى بعض الأحيان تظهر أعراض الإدارة من أجل الإدارة أو فى قول آخر "أنا المدير!"

صاحبنا يؤمن بعدم إتاحة الفرصة للغير للتعليق على عمله لهذا يقول على أن اصفى ذهنى ممافيه كى أكون قادراً على العمل كما أن الإنسان هو المتحكم فى عمله وليس العكس إلا فى بعض التفاصيل التى تجعله يختنق أحيانا من قيد العمل خاصة تلك الخاصة بأعراض الإدارة لكنه ناجح لحد بعيد فى تحييد تلك التفاصيل وإن بدأت أعراض هذه التفاصيل فى الظهور يبدأ فى الدخول لحالة البرود ويشغل راديو داخلى ليغطى على تلك التفاصيل فيصير قادراً على التعامل معها

 
أكمل كتابة مشاهدته الصباحية فى ظل تقاطعات هاتفية خاصة بالعمل تارة وزيارات لأحد العملاء تارة ويدخل على صفحته بموقع فيس بوك وتويتر لينشر مشاهداته لكنه يعلم مسبقا أن عدد قرائه قليل لكنه يعتز بهؤلاء القراء فتأتيه مقولة غسان كنفانى " اصبر يا ولد ... أنت على أعتاب عمرك ... وغداً وبعد سوف تشرق شمس جديدة ... ألست تناضل الآن من أجل ذلك المستقبل؟! ... سوف تفخر بأنك أنت الذى صنعته بأظافرك منذ الأول إلى الآخر"